محمد بن علي الشوكاني

3524

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

قدرها البائع فقط ( 1 ) ، فإن إقدام المشتري على شراء ما لم يعلم بقدره إقدام على جهالة ،

--> ( 1 ) قال أحمد : ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة . وكرهه عطاء وابن سيرين ، ومجاهد وعكرمة . وبه قال مالك ، وإسحاق . وروي ذلك عن طاووس ، قال مالك : لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك . وعن أحمد أن هذا مكروه غير محرم ، فإن بكر بن محمد روى عن أبيه ، أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله ، وقلت له : إن مالكا يقول : إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فإن أحب أنيرده رده ، قال : هذا تغليظ شديد . ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله ، إلا أن يخبره ، فإن باعه ، فهو جائز عليه ، وقد أساء . ولم ير أبو حنيفة ، والشافعي بذلك بأسا ؛ لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره ، فمع العلم من أحدهما أولى . ووجه الأول : ما روى الأوزاعي ، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه " - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ( 8 / 131 ) . قال القاضي : وقد روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة . وهو يعلم كيله . والنهي يقتضي التحريم ، وأيضا الإجماع الذي نقله مالك . ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل ، إلا للتغرير بالمشتري والغش له ، ولذلك أثر في عدم لزوم العقد ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من غشنا فليس منا " - تقدم تخريجه - فصار كما دلس العيب . فإن باع ما علم كيله صبرة ، فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم ، أن البيع صحيح لازم ، وهو قول مالك والشافعي ؛ لأن المبيع معلوم لهما ، ولا تغرير من أحدهما ، فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه ، ولم يثبت ما روى من النهي فيه ، وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه ، لاختلاف العلماء فيه ، ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير . وقال القاضي وأصحابه : هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري ، فلا خيار له ؛ لأنه دخل على بصيرة ، فهو كما لو اشترى مصراة ، يعلم تصريتها ، وإن لم يعلم أن البائع كان عالما بذلك فله في الفسخ والإمضاء ، وهذا قول مالك ؛ لأنه غش وغرر من البائع ، فصح العقد منه ، ويثبت للمشتري الخيار ، وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع فاسد لأنه منهي عنه ، والنهي يقتضي الفساد .